أبي منصور الماتريدي
388
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
تعالى . والثاني : ألا تقوم قربة ولا تقبل إلا على حقيقة الإيمان الذي هو شرط قيام هذه العبادات وقبول القرب ، لا أن أنفسها إيمان ؛ لأنهم كانوا يظهرون الإيمان ويسرون الكفر ؛ دل أنه ما ذكرنا ، وبالله التوفيق . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ . أي : إنكم كنتم فاسقين . ويحتمل قوله : كُنْتُمْ ، أي : صرتم فاسقين بما أنفقتم وأنتم كارهون ؛ إذ هم قد أظهروا الإيمان ثم تركوه ؛ كقوله : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا [ المنافقون : 3 ] أخبر أنهم آمنوا ثم كفروا ؛ فعلى ذلك الأول . وقوله - عزّ وجل - : وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى وكسلى وكسالى فيه لغات ثلاثة والمعنى واحد « 1 » ، وهو أنهم لا يأتون الصلاة إلا مستثقلين ؛ لأنهم كانوا لا يرونها قربة . وقوله - عزّ وجل - : فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا . قال بعضهم « 2 » : هو على التقديم والتأخير ؛ كأنه قال : فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم [ في الحياة الدنيا ] « 3 » ، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة وفي الحياة الدنيا . والتعذيب في الدنيا : هو ما فرض عليهم الجهاد وأمروا بالخروج للقتال ، فكان يشق ذلك عليهم ويشتد ، فذلك التعذيب لهم ، وهو ما ذكر في آية أخرى : أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا
--> ( 1 ) التكاسل : التثاقل عما لا ينبغي التثاقل عنه ، وغلب فيمن قلت مروءته وتقاعد عن شغله . يقال : رجل كسل وكسلان ، والجمع كسالى وكسالى نحو : سكارى وسكارى ، جمع سكران . والمكسال : المرأة المتنعمة الفاترة عن القيام ، وهو كناية عن ضخامتها وسمنها وتنعمها ، كما قيل : [ من الرجز ] . يقعدها من خلفها الكفل والكسل مذموم ؛ ولذلك تعوذ منه نبينا صلى اللّه عليه وسلم فقال : « أعوذ بالله من الكسل والفشل » . وفحل كسل : كسل عن الضراب . وفلان لا تكسله المكاسل : أي لا ينثني عما يقصده وإن خوّف منه وثبّط . وقراءة حمزة والكسائي وورش : كسالى بالإمالة . ينظر : إتحاف الفضلاء ( 243 ) ، والغيث للصفاقسي ( 238 ) ، وعمدة الحفاظ ( 3 / 465 ، 466 ) . ( 2 ) أخرجه بمعناه ابن جرير ( 6 / 390 - 391 ) ( 16819 ) . وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 447 ) وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن قتادة لابن أبي حاتم عن السدي . ( 3 ) سقط في أ .